فؤاد ابراهيم
143
الشيعة في السعودية
الدولة ، ولكن لا يصلحان بذاتهما للتحول لأيديولوجية دولة ، لأنهما في الأصل مشروعا مقاومة حيوية متصلة في هيئة حركة تبشير جهادي . بكلام آخر ، إن مهمة التشيّع والسلفية تنتهي في إيصال المشروع السياسي إلى لحظة الإنجاز ، إذا لم يخوضا مشروعا نضاليا آخر في أماكن أخرى ، يعيد تنشيط عنصر المقاومة فيهما كما فعلت السلفية حين استعاضت من مواجهة الدولة في الداخل بأن صنعت لها جبهات بديلة في الخارج من أجل إفراغ المخزون النضالي في شكله الأممي ، ولعل هناك من تنبّه في الدولة السعودية إلى خطورة الحصار ضد السلفية في الداخل ، فوجّه زخم المقاومة لدى السلفية نحو الخارج . ومن هذا المنطلق ، تستعير معناها الديني من التشيّع بالنسبة إلى إيران والسلفية بالنسبة إلى السعودية ، في سياق توفير ذريعة الوجود والاستمرار . لكن ما إن تنتفي حاجة الدولة من استدانة المعنى ، تبدأ محنة المعنى نفسه الذي يظل عصيّا على الإخضاع الدائم ، لأنه قد يتعرض لعملية إنضاب على يد الدولة نفسها . وسنكتشف لاحقا أن التشيّع والسلفية هما مصدران غير قابلين للتجديد ، أي ليس لديهما القدرة على التجديد الذاتي من الداخل ، كون هذه العملية تتطلب في حالتي التشيّع والسلفية بعثرة شبه كاملة لمحتوياتهما . لقد اعترضت السلفية على كثير من سياسات الدولة في التعليم والتكنولوجيا والاقتصاد والقوانين والعلاقات الدولية ، تماما كما اعترض الاتجاه التقليدي الشيعي على قيادات الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عهد السيد الخميني وما بعده ، على بعض الأحكام المتعلّقة بالدولة ، لأن في ذلك تقهقرا للمعتقد ، ورموزه المطلقة ، وقد يفسّره الجناح الطهراني في كليهما على أنه عدم وفاء للخدمة الجليلة التي أسداها المعتقد إلى الدولة كيما تجعل من حلم انوجادها حقيقة ساطعة . وإذا كان مبرر الإصلاح والتجديد وإعادة تفسير النص ناشئا عن رد فعل على تحدي الآخر أو الرغبة في التعايش معه ، وأحيانا تلبية لحاجات الدولة كما في السعودية وإيران ، فإن ذلك يقودنا على الفور إلى جدلية العلاقة بين الدين والدولة ، وهي علاقة الثابت بالمتحوّل ، فالدين بما هو منظومة مبادئ وقيم ثابتة ، والدولة بما هي منظومة متغيرات خاضعة للخطأ